ابو القاسم عبد الكريم القشيري
140
شرح الأسماء الحسنى
الحقيقة ، فإن كون اللفظ في الشيء توسعا ومجازا لا يمنع أن تكون أحكام ذلك المسمى في الشريعة على الحقيقة ، كلفظ الاستنجاء في الاستنظاف توسع ، ثم لا يمنع أن تكون أحكام الاستنجاء في الشريعة على الحقيقة . وقول المخالفين في حد الملك أنه القدرة على الإطلاق لا يصح لأنه يجب على قضيتهم أن يكون الغاصب مالكا للمغصوب لكونه قاهرا على الغصب ، وهذا محال ، وقول من قال : حقيقة الملك جواز التصرف في الشيء على الإطلاق احترازا من الولي والوصي والوكيل لأنهم لا يتصرفون على الإطلاق بل يتصرفون بالإذن لا يصح ، لأن الصبى مالك على الحقيقة والمجنون والمحجور عليه مالكان على الحقيقة ، ولا يصح منهم التصرف فبطل ما قالوه . هذا طرف من الكلام في معنى الملك والمالك مما يتعلق باللغة ومسائل الأصول ، فأما ما يتعلق من الكلام فيه بطرائق التذكير فعلى أقسام : منها : أن يقال إن العبد إذا تحقق أن الملك للّه تعالى تنكب عن وصف الادعاء وتبرأ من الحول والقوة في تسليم الأمر لمالكه ولم يعول على اختياره ، ولم يفزع إلى احتياله عند طلب الخلاص من مهالكه ، فلا يقول : بي ، ولا يقول : لي ، ولا يقول : منى .
--> وسائر أعضائه ، فإذا ملكها ولم تملكه ، وأطاعته ولم يطعها ، فقد نال درجة الملك في عالمه ، فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس واحتاج الناس كلهم إليه في حياتهم العاجلة والآجلة فهو الملك في العالم الأرضي ، وتلك رتبة الأنبياء عليهم السلام ، فإنهم استغنوا في الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن اللّه ، واحتاج إليهم كل أحد ، يليهم في هذا الملك العلماء ، وهم ورثة الأنبياء ، وإنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد واستغنائهم عن الاسترشاد ، وبهذه الصفات يقرب العبد من الملائكة في الصفات ، ويتقرب إلى اللّه تعالى بها ، وهذا الملك عطية للعبد من الملك الحق الّذي لا مثنوية في ملكه .